غلق
غلق
غلق
مارس 8, 2020

المرأة الليبية تناضل للحصول على دور أكبر في إعادة بناء بلدها

تم نشر هذا المقال لأوّل مرة بواسطة “الفنار للإعلام”.

تعثّرت آخر جهود الأمم المتحدة للتوسّط في وقف لإطلاق النار بين الجيوش المتصارعة للسيطرة على ليبيا. ولكن ورغم استمرار الصراع أو ربما بسببه، تبرز آمال جديدة للمرأة الليبية للمطالبة بدور أكبر في إعادة بناء اقتصاد بلدها.

تعمل “سبارك” مع المنظمات الشريكة في ليبيا لمساعدة النساء على تحقيق هذا الهدف.

في كثير من الأحيان، يمكن للنزاعات أن تقلب التراتبية بين الجنسين. فعلى سبيل المثال، في دول أوروبا والولايات المتحدة، خلّفت الحرب العالمية الثانية الكثير من القتلى والجرحى من الرجال، لدرجة أنه طُلب من النساء الانضمام إلى القوى المدنية والعسكرية لدعم القطاعات الصناعية والاقتصادية. وفي العقود اللاحقة، أطلقت النساء حملات للمطالبة بفرص أكبر في الوظائف والسياسة والسلطة.

واليوم، تواجه ليبيا نقطة تحوّل مماثلة.

تقول هالة بوقعيقيص، مؤسِّسة “جسور للدراسات والتنمية“، وهي مؤسسة أبحاث سياسية وإحدى المنظمات الشريكة لـ”سبارك” في ليبيا: “لا أعتقد أنّ المرأة الليبية مستعدة للعودة إلى الظل بعد اليوم”.

تشاركها الرأي آية محجوب، مؤسسة أحد مراكز اللغات والتدريب والاستشارات في بنغازي، وتؤكد: “أرغمت الحرب النساء الليبيات على دخول سوق العمل، وغالباً من دون وعي كافٍ أو مهارات وخبرات كافية”. “لذلك، أرى أنّ التدريب على ريادة الأعمال مهم للغاية، بل ربما أكثر أهمية من التمويل، لأنه لا يمكن للمشروع أن يرى النور من دون وجود مهارات جيدة في الإدارة والتخطيط”.

أسست نجلاء المسلاتي، وهي من مدينة بنغازي أيضاً، مبادرة أسمتها “شي كودز” أو “هي تُبرمج”، وتقوم المبادرة بتعليم النساء آليات البرمجة وتطوير البرامج. تأمل نجلاء أيضاً بأن يتم تقديم المزيد من الدعم لروّاد الأعمال في ليبيا، وتقول: “تُعتبر الحاجة إلى تمويل روّاد الأعمال في ليبيا وتقديم الإرشاد لهم أمراً شديد الأهمية، ويمكنه أن يُحدث فرقاً حقيقياً إذا ما تم تنفيذه بالشكل الصحيح”.

فجوة في توظيف المرأة الليبية

تحصل النساء في ليبيا على تعليم عالِ. فقد وجد تقرير صدر عام 2013 أجرته المؤسسة الدولية للأنظمة الانتخابية أنّ أعداد النساء الحاملات لدرجة البكالوريوس (أو أعلى) موازية بدرجة كبيرة لأعداد الرجال الحاملين لتلك الدرجات، وأن 77 بالمئة من النساء الليبيات ممن هنّ تحت سن الـ25 نوين متابعة تعليمهن العالي، مقارنةً بنسبة 67 بالمئة فقط من الذكور.

لكن وبعد التخرّج، تعاني المرأة الليبية من الفجوة الواسعة بين التعليم والتوظيف، فـ43 بالمئة فقط من النساء الحاصلات على تعليم عالِ يحصلن على وظائف رسمية.

هناك العديد من الأسباب لوجود تلك الفجوة. وهناك تقليل من شأن قدرات النساء بين القوى العاملة في ليبيا، كما لا تزال هناك عوائق تقليدية ودينية مثل الوصيّ الإلزامي (المحرم) والذي يُلزم النساء بوجود ولي أمر ذكر عليهنّ للسماح لهنّ بالسفر في بعض المناطق.

كثيراً ما يتم استغلال النساء اللاتي يمتلكن وظائف بمنحهن رواتب منخفضة أو بجعلهن يعملن في بيئات لا تدعم الأمهات العاملات.

ومع ذلك، يبقى العائق الأكبر أمام المرأة الليبية للحصول على عمل الصراع المستمر في البلاد منذ حوالي 10 سنوات بين الجماعات المتنافسة على السلطة منذ سقوط معمر القذافي عام 2011.

نساء يتعلمن مهارات قيّمة حول الريادة والتوظيف في تدريب تقدمه منظمة "جسور" ومنظمة "سبارك". (حقوق الصورة: جسور للدراسات والتنمية © 2019)
نساء يتعلمن مهارات قيّمة حول الريادة والتوظيف في تدريب تقدمه منظمة "جسور" ومنظمة "سبارك". (حقوق الصورة: جسور للدراسات والتنمية © 2019)
نساء يتعلمن مهارات قيّمة حول الريادة والتوظيف في تدريب تقدمه منظمة "جسور" ومنظمة "سبارك". (حقوق الصورة: جسور للدراسات والتنمية © 2019)

عام 2016، تحدّثت حنان صلاح الباحثة في الشأن الليبي لدى “هيومن رايتس ووتش” لقناة الجزيرة حول انعدام الأمن في البلاد وتأثيره على عمل النساء هناك. وتقول حنان: “بسبب انعدام القانون والنظام في أجزاء من ليبيا، تقوم العديد من الميليشيات والأفراد بالتصرّف من تلقاء نفسها ومنع النساء من السفر بمفردهن دون مرافق من الذكور”. كما قامت بعض الميليشيات بمضايقة النساء في الحرم الجامعي، مما أجبر البعض منهن على التوقف عن متابعة الدراسة.

“غالباً ما يمكن سماع القنابل وهي تسقط على مقربة”

شاركت شذى الماجري، البالغة من العمر 28 عاماً، في تأسيس” دراز كورنر“، وهو مركز إبداعي في طرابلس يوفر مساحة عمل مشتركة حيث تلتقي العقول المبدعة وروّاد الأعمال وأصحاب الأعمال الحرة والطلاب والفنانين والمهندسين المعماريين ويستطيعون العمل معاً. على الرغم من الغارات الجوية شبه اليومية في العاصمة، تواصل مساحة “دراز كورنر” العمل.

تقول الماجري: “يمكنك سماع القنابل تسقط في مكان قريب فيما تخلو الشوارع من المارّة. ما زلت أذهب إلى العمل، لكنني واحدة من القلائل الذين يتابعون عملهم. يمكن أن تُغلق الطرق في أي لحظة”.

العام الماضي، بدأت “سبارك” و”دراز كورنر” في توفير “مخيّمات التوظيف” للشباب والشابات في طرابلس، وذلك من خلال تعليم مهارات قابلية التوظيف لمساعدتهم عند التقدم للوظائف. تقدم الجلسات ورش عمل حول كتابة السيرات الذاتية وتقنيات إجراء المقابلات وبناء الثقة.

حضرت بسمة الزعبي، طالبة الهندسة المعمارية البالغة من العمر 22 عاماً من طرابلس، أوّل مخيّم تدريبي. وتقول: “أُعجبت بالمشروع، ودفعني ذلك إلى المباشرة بالقيام بكل الأشياء التي كنت أقوم بتأجيلها”.

تطمح النساء أمثال بسمة في الحصول على وظيفة مستقرة تشعرهن بالشغف نحوها، لكنهن يواجهن عدداً من العقبات التي تحول دون الحصول على حقوقهن في ليبيا.

بالنسبة لبوقعيقيص، من منظمة “جسور”، فقد ولِد لديها الدافع لتوجيه معرفتها ومهاراتها وطاقتها نحو تمكين النساء نتيجة مأساة. ففي العام 2014، قُتلت إحدى قريباتها، الناشطة الليبية البارزة في مجال حقوق الإنسان سلوى بوقعيقيص، بالرصاص في منزلها في بنغازي.

وتقول بوقعيقيص: “عندما اغتيلت ابنة عمي الثانية بسبب دفاعها عن الديمقراطية، شعرت بأنني محطّمة. كانت النساء تخشين الحديث عن الديمقراطية أو السياسة خوفاً من أن يلقين نفس المصير. كان يختفي كل شيء كانت تؤمن به ويتبدد في مكان مظلم للغاية، لذلك، شعرت بأنني مجبرة على تكريم عملها”.

هالة بوقعيقيص تتحدث خلال مؤتمر IGNITE السنوي لـ"سبارك" في أمستردام. (حقوق الصورة: سبارك © 2019(

لن يؤدي إرسال النساء الطموحات من ذوات المهارات العالية إلى بيئة المشروعات الريادية الحالية سوى إلى شعورهن بالإحباط، لذلك، تعمل “جسور” أيضاً على الضغط من أجل إحداث التغييرات التي تحتاجها المشروعات الريادية.

يواجه روّاد الأعمال الذين يرغبون في بدء عمل مشروع ريادي العديد من العقبات القانونية والتكاليف المرتفعة لتسجيل شركاتهم (حوالي 4,400 دولار أميركي).

بالنسبة للنساء، تتمثل القضية الرئيسية في الحصول على التمويل. إذ تطلب معظم المصارف الليبية من روّاد الأعمال امتلاك أراضٍ أو ممتلكات كضمان للحصول على قرض. غير أنّه لا يزال من غير المقبول اجتماعياً امتلاك النساء للأرض، حتى من خلال الميراث.

مع ذلك، وعلى الرغم من الصعوبات، تكافح بعض النساء الليبيات اللاتي لديهن مشروعات ريادية للاستمرار وإنجاح أعمالهن.

تُعتبر هبة، وهي مصممة أزياء تحظى بدعم من “سبارك” و”جسور”، واحدة من تلك النساء. إذ تبيّن أنّ توظيف أشخاص لديها كان أحد أكبر التحديات التي واجهتها. إذ تقول: “لا يمكنك إقناع رجل بالجلوس واستخدام ماكينة الخياطة، لذلك كان عليّ البحث عن النساء”.

كانت المهمة صعبة بسبب الظروف الاجتماعية التي تواجهها العديد من النساء. إذ سعت الجوانب الذكورية للثقافة الليبية، بالإضافة إلى القيود الدينية وتلك المتعلقة بالحرب والتي قيّدت حرية المرأة في الحركة، إلى استبعاد النساء عن أماكن العمل.

كان على إيناس البحري، التي بدأت مشروعها الريادي من منزلها من خلال صنع الكعكات التي هي أشبه بالأعمال الفنية، التغلّب على صعوبات التوظيف. مع توسيع مشروعها، اضطرت إلى توظيف عمال أجانب لأن الليبيين كانوا يترددون في الانضمام إلى شركتها الخاصة خوفاً من انعدام الأمن الوظيفي. توظف شركتها، “موتزارت كايترنغ” اليوم حوالي 200 عامل، 20 بالمئة منهم فقط ليبيون.

إيناس البحري خلال تحدّثها في مؤتمر IGNITE السنوي لـ"سبارك" في أمستردام (حقوق الصورة: سبارك © 2016(.

تقول المسلاتي، من “شي كودز”، إنّ الشركات الناشئة لا تزال تواجه تحديات مع نموّها. “تُعتبر ريادة الأعمال مفهوماً جديداً بالنسبة لليبيين عموماً، ونحتاج جميعاً إلى كل التوجيه والإرشاد والتدريب والتمويل الذي يمكننا الحصول عليه من أجل فرق العمل لدينا. ومن دون المساعدة، لا يزال هذا ممكناً، لكن ليس بالمستوى عينه، ولن يكون له المستوى نفسه من التأثير”.

معرض ناجح للتوظيف

في نيسان من العام 2019، طرحت كل من “سبارك” و”دراز كورنر” معرض توظيف لربط الشباب الطموحين والمؤهّلين بشركات القطاع الخاص. في ذلك الوقت، كانت المعارك قد انتقلت بعيداً عن طرابلس، فاستطاع مدراء من 24 شركة التوجّه إلى مكتب “دراز” ومقابلة الموظفين المُحتملين.

معرض توظيف جمع بين الباحثين عن وظائف وأصحاب العمل بترتيب من "سبارك" و"دراز كورنر". (حقوق الصورة: دراز كورنر © 2019).
معرض توظيف جمع بين الباحثين عن وظائف وأصحاب العمل بترتيب من "سبارك" و"دراز كورنر". (حقوق الصورة: دراز كورنر © 2019).
معرض توظيف جمع بين الباحثين عن وظائف وأصحاب العمل بترتيب من "سبارك" و"دراز كورنر". (حقوق الصورة: دراز كورنر © 2019).

كانت شركات مثل “ليبيانا” و”تداول” تبحث عن مُصممي جرافيك ومصممين داخليين ومهندسين معماريين وذوي مهارة في مجالات تكنولوجيا المعلومات والإدارة والمحاسبة. وقد قدّم المعرض فرصاً لإجراء مقابلات سريعة بين المتأملين بالحصول على وظائف والشركات، إلى جانب ورش عمل حول مهارات التوظيف ونقاشات خاصة بين الشباب والمدراء المسؤولين عن التوظيف حول ما يتطلعون إلى إيجاده في المرشّحين المحتملين. نتج عن معرض التوظيف حصول 14 شخصاً على برامج تدريب و5 على وظائف ثابتة.

المرأة الليبية قادرة على المساهمة في بناء السلام

بينما يأمل المدافعون عن تمكين المرأة في ليبيا في رؤية دور أكبر للنساء في صناعة سياسة البلاد، تم استبعاد النساء إلى حد كبير من عملية السلام بشكل مُجحف. فبالرغم من اضطلاعها بدورٍ رئيسي في ثورة 2011، وإظهار البحوث  أنّ عمليات السلام التي تنطوي على مشاركة المرأة هي أقل عرضة للفشل بنسبة 64 بالمئة، لا يزال تمثيل المرأة في عملية السلام منخفضاً.

في ليبيا، تعمل “سبارك” حصرياً مع المنظمات المحلية التي تقودها المرأة لأنّه لديها فهماً لا مثيل له للظروف الثقافية والاقتصادية والأمنية، فضلاً عن معرفتها لاحتياجات الشابات اللاتي يرغبن بتأسيس مشروعاتهنّ الريادية الخاصة وإيجاد فرص عمل.

تقول بوقعيقيص من “جسور”: “من بين نقاط قوّتنا أننا نفهم كيفية العمل أثناء الحرب. نحن نعرف متى نتوقف ومتى نتابع”. تُعتبر هكذا منظمات رائدة في مجالاتها ويُعتبر عملها ضرورياً لتطبيع وجود المرأة في بيئات المشروعات الريادية وأماكن أخرى.

على الرغم من المشهد السياسي المتغيّر باستمرار وافتقاره إلى مشاركة النساء فيه، إلاّ أن الشابات في ليبيا يواجهن الآن مقاومة طويلة الأمد لمشاركتهن في العديد من الأوجه في المجتمع، لا سيّما في القطاع الاقتصادي، وهنّ يقمن بذلك لصالح كل الليبيين.

 

 

ساهم طارق عبد الجليل في إعداد هذا التقرير.